الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

470

تفسير روح البيان

مكرمين بهذه الخصال فان بني آدم في سر وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ آكد المكرمين منهم بكرامات أكبر منها درجة وارفع منها منزلة وذلك لأنهم لما خلقوا محتاجين إلى ما لا تحتاج اليه الملائكة أكرموا بالكرامتين اللتين لم تكرم بهما الملائكة فاحداهما الرجوع إلى اللّه مضطرين فيما يحتاجون اليه فأكرموا بكرامة الدعاء ووعدهم عليه الاستجابة بقوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فلهم الشركة مع الملائكة في قوله لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ الآية لأنهم بأمره دعوه عند رفع الحاجات ولذلك اثنى عليهم بقوله تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وقد أعظم امر الدعاء بقوله قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ وهم ممتازون عن الملائكة بكرامة الدعاء والاستجابة وهذه مرتبة الخواص من بني آدم في الدعاء . فاما مرتبة أخص الخواص فهي انهم يدعون ربهم لا خوفا ولا طمعا بل محبة منهم وشوقا إلى وجهه الكريم كما قال يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ * وهذه هي الكرامة الثانية التي من نتائج الاحتياج حتى لا يبقى شئ من المخلوقات الا محتاجا بخلاف مخلوق آخر فان لكل مخلوق استعدادا في الاحتياج يناسب حال جبلته التي جبل عليها فكل مخلوق يفتقر إلى خالقه بنوع ما وتفتقر اليه بنوا آدم من جميع الوجوه وهذا هو سر قوله تعالى وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ كما أن ذاته وصفاته استوعبت الغنى كذلك ذواتهم وصفاتهم استوعبت الفقر فاكرمهم اللّه بعلم أسماء ما كانوا محتاجين اليه كله ورفقهم للسؤال عنه وأنعم عليهم بالإجابة فقال وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وعد ذلك من النعم التي لا نهاية لها وكرامة لا كرامة فوقها بقوله وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها وبقوله يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ يشير إلى أنه يعلم ما بين أيدي الملائكة من خجالة قولهم أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الآية فان فيه شائبة نوع من الاعتراض ونوع من الغيبة ونوع من العجب حتى عيرهم اللّه فيما قالوا وقال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يعنى اعلم منه استحقاق المسجودية واعلم منكم استحقاق الساجدية له وما خلفهم اى وما يأمرهم بالسجود له والاستغفار لمن في الأرض يعنى المغتابين من أولاده ليكون كفارة لما صدر منهم في حقهم وَلا يَشْفَعُونَ في الاستغفار إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى يعنى اللّه تبارك وتعالى من أهل المغفرة وهم من خشيته مشفقون اى من خشية اللّه وسطوة جلاله خائفون ان لا يعفو عنهم ما قالوا أو يأخذهم به ومن يقل منهم انى اله من دونه يعنى من الملائكة فذلك نجزيه جهنم يشير إلى أنه ليس للملك استعداد الاتصاف بصفات الألوهية ولو ادعى هذه المرتبة فجزاؤه جهنم البعد والطرد والتعذيب كما كان حال إبليس وبه يشير إلى أن الاتصاف بصفات الألوهية مرتبة بني آدم كما قال عليه السلام ( تخلقوا بأخلاق اللّه ) وقال ( عنوان كتاب اللّه إلى أوليائه يوم القيامة من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت ) فافهم جدا كذلك نجزى الظالمين يعنى الذين يضعون الأشياء في غير موضعها كاهل الرياء والسمعة والشرك الخفي انتهى ما في التأويلات النجمية أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا الهمزة لانكار نفى الرؤية وانكار النفي نفى له ونفى النفي اثبات والواو للعطف على مقدر والرّؤية قلبية لا بصرية حتى لا يناقض قوله تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والمعنى ألم يتفكروا أو ألم يستفسروا من العلماء أو ألم يطالعوا الكتب أو ألم يسمعوا الوحي ولم يعلموا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا ثنى الضمير الراجع إلى الجمع باعتبار ان المرجع اليه